

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

بيان زهير الشراونة 15 عاما – دير سامت
فِي إِحْدَى الْمَمَالِكِ أَقَامَ الْمَلِكُ حَفْلاً كَبِيرًا دَعَا إِلَيْهِ كِبَارَ رِجَالِ الدَّوْلَةِ وَوُجَهَاءَ الْمُدُنِ وَأَهَمَّ رِجَالَاتِ الْمَمْلَكَةِ. كَانَ ذَلِكَ الْمَلِكُ عَادِلاً يُحِبُّ رَعِيَّتَهُ وَرَعِيَّتُهُ تُحِبُّهُ، أَوْ هَكَذَا كَانَ يَعْتَقِدُ بِأَنَّ كُلَّ رَعِيَّتِهِ تُحِبُّهُ وَخَاصَّةً أُولَئِكَ الْمَدْعُوِّينَ إِلَى حَفْلَتِهِ.

بَدَأَتِ الْحَفْلَةُ، هٰذَا يَرْقُصُ وَهٰذَا يَتَنَاوَلُ مَا لَذَّ وَطَابَ مِنَ الطَّعَامِ وَهٰذَانِ يَتَبَادَلَانِ أَطْرَافَ الْحَدِيثِ، وَذَاكَ يُرَاقِبُ بِاهْتِمَامٍ، وَذَاكَ يَحْتَسِي شَرَابَهُ بِهُدُوءٍ ... وَالْمَلِكُ يُرَاقِبُهُمْ بِسَعَادَةٍ وَسُرُورٍ.
فَجْأَةً دَخَلَ إِلَى الْقَاعَةِ رَجُلٌ غَرِيبٌ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ كِيسًا قُمَاشِيًّا قِرْمِزِيًّا صَغِيرًا. فَرْقَعَ الرَّجُلُ بِأَصَابِعِهِ فَإِذَا بِكُلِّ الْحُضُورِ يَتَجَمَّدُونَ فِي أَمَاكِنِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ تَمَاثِيلُ مِنَ الْخَشَبِ، تَجَمَّدُوا كُلُّهُمْ إِلَّا الْمَلِكَ الَّذِي وَقَفَ مَشْدُوهًا يُرَاقِبُ مَا يَحْدُثُ بِاسْتِغْرَابٍ وَخَوْفٍ وَفُضُولٍ. تَقَدَّمَ الرَّجُلُ الْغَرِيبُ مِنَ الْمَلِكِ، وَدُونَ أَنْ يَنْبِسَّ بِبِنْتِ شَفَةٍ نَاوَلَهُ الْكِيسَ الْقُمَاشِيَّ الصَّغِيرَ.


- مَنْ أَنْتَ وَمَا هَٰذَا؟
- لَا يَهُمُّ مَنْ أَنَا، وَهَذَا اسْمُهُ الشَّيْءُ
- الشَّيْءَ؟!!
- نَعَمْ، الشَّيْءُ هُوَ (غُبَارُ الْحَقِيقَةِ)
- غُبَارُ الْحَقِيقَةِ؟ مَاذَا تَقْصِدُ؟
- نَعَمْ يَا مَوْلَايَ غُبَارُ الْحَقِيقَةِ ... مَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تَنْثُرَ بَعْضًا مِنْ هٰذَا الْغُبَارِ عَلَىٰ أَيِّ شَخْصٍ لِيَنْطِقَ بِحَقِيقَةِ مَشَاعِرِهِ تِجَاهَكَ ... لٰكِنِ انْتَبِهْ، فَبَعْدَ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ بِالتَّمَامِ سَوْفَ يَسْتَيْقِظُ الْجَمِيعُ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ.

وَأَمْسَكَ الْمَلِكُ بِالْكِيسِ وَبَدَأَ بِفَتْحِهِ، وَبِالْفِعْلِ وَجَدَ بِدَاخِلِهِ غُبَارًا ذَهَبِيَّ اللَّوْنِ يُشْبِهُ تِبْرَ الذَّهَبِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ لِيَتَحَدَّثَ لِلرَّجُلِ الْغَرِيبِ فَإِذَا بِهِ قَدِ اخْتَفَى، شَعَرَ الْمَلِكُ بِالْخَوْفِ وَالِاسْتِغْرَابِ، لَكِنَّهُ قَرَّرَ أَنْ يُجَرِّبَ الْأَمْرَ وَأَنْ يَنْثُرَ بَعْضَ الْغُبَارِ عَلَى أَحَدِ مَدْعُوِّيهِ لِيَرَى مَا سَوْفَ يَحْدُثُ. تَقَدَّمَ الْمَلِكُ مِنْ وَزِيرِهِ شَرَفِ الدِّينِ وَنَثَرَ بَعْضَ الْغُبَارِ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَمَا إِنْ فَعَلَ حَتَّى نَطَقَ الْوَزِيرُ وَقَالَ: "لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْتَظِرَ مَوْتَ الْمَلِكِ لِكَيْ أَسْتَوْلِيَ عَلَى الْعَرْشِ".
صُدِمَ الْمَلِكُ مِنْ كَلَامِ الْوَزِيرِ الَّذِي عَادَ لِلتَّجَمُّدِ مِنْ جَدِيدٍ. تَنَاوَلَ الْمَلِكُ بَعْضَ الْغُبَارِ وَتَوَجَّهَ إِلَى ابْنِهِ الْأَمِيرِ صَالِحٍ وَنَثَرَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَعَلَى الْفَوْرِ نَطَقَ الْأَمِيرُ صَالِحٌ قَائِلاً: "كَيْفَ سَأُخْبِرُ وَالِدِي بِأَنَّنِي أُحِبُّ ابْنَةَ مُعَلِّمِي وَأَنَّنِي أَتَمَنَّى الزَّوَاجَ مِنْهَا وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ أَمِيرَةً مِثْلِي حَسَبَ مَا يُرِيدُ اللَّئِيمُ أَبِي؟!".


اِسْتَغْرَبَ الْمَلِكُ مِنْ كَلَامِ وَلَدِهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى أَحَدِ التُّجَّارِ الْكِبَارِ فِي الْمَمْلَكَةِ وَنَثَرَ بَعْضَ الْغُبَارِ عَلَى رَأْسِهِ لِيَنْطِقَ مِنْ فَوْرِهِ قَائِلاً: "غَداً سَأَشْتَرِي كُلَّ حُبُوبِ قَمْحِ الْمَمْلَكَةِ وَأَخْزُنُهُ فِي مَخَازِنِي وَأَمْنَعُهُ عَنِ النَّاسِ ثُمَّ أَرْفَعُ سِعْرَهُ وَأَبِيعُهُ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ". ذُهِلَ الْمَلِكُ مِنْ ذَلِكَ التَّاجِرِ الَّذِي كَانَ يَظُنُّهُ تَاجِراً مُحْتَرَماً أَمِيناً.
أَخَذَ الْمَلِكُ بَعْضَ الْغُبَارِ وَنَثَرَهَا عَلَى رَأْسِ أَحَدِ الْقُضَاةِ الَّذِي نَطَقَ مِنْ فَوْرِهِ وَقَالَ: "سَوْفَ أُدَبِّرُ خُطَّةً لِصَاحِبِ الْبُسْتَانِ وَأَغْدِرُهُ وَأُودِعُهُ السِّجْنَ وَأَسْتَوْلِي عَلَى بُسْتَانِهِ وَبَيْتِهِ وَأُشَرِّدُ زَوْجَتَهُ وَأَوْلَادَهُ، وَسَأَحْرِصُ عَلَى أَلَّا يَعْلَمَ الْمَلِكُ بِالْأَمْرِ". ثُمَّ نَثَرَ الْغُبَارَ عَلَى شَخْصٍ خَامِسٍ وَسَادِسٍ وَعَاشِرٍ لِيَكْتَشِفَ كُلَّ مَرَّةٍ كَمْ كَانَ مَخْدُوعًا بِرَعِيَّتِهِ وَكَمْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا يَحْدُثُ فِي مَمْلَكَتِهِ.
جَلَسَ الْمَلِكُ عَلَى كُرْسِيِّ الْعَرْشِ، وَمَا أَنِ انْقَضَتِ السَّاعَةُ حَتَّى عَادَ الْجَمِيعُ لِلْحَيَاةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَضْحَكُونَ وَيَتَحَادَثُونَ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ. أَمَرَ الْمَلِكُ الْفِرْقَةَ الْمُوسِيقِيَّةَ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْعَزْفِ وَطَلَبَ مِنَ الْجَمِيعِ مُغَادَرَةَ الْقَصْرِ فَوْرًا. اسْتَغْرَبَ الْحُضُورُ تَصَرُّفَ الْمَلِكِ لٰكِنَّهُمْ لَمْ يَجْرُؤُوا عَلَى مُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ وَانْصَرَفُوا فِي الْحَالِ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي اسْتَدْعَى الْمَلِكُ وَزِيرَهُ شَرَفَ الدِّينِ وَأَمَرَ الْحُرَّاسَ بِأَنْ يُودِعُوهُ السِّجْنَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى ابْنَهُ الْأَمِيرَ صَالِحَ وَأَبْلَغَهُ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى زَوَاجِهِ مِنَ الْفَتَاةِ الَّتِي يُحِبُّهَا. ثُمَّ أَمَرَ حُرَّاسَهُ بِإِحْضَارِ التَّاجِرِ الْفَاجِرِ فِي الْحَالِ وَعِنْدَمَا أَحْضَرُوهُ أَمَرَهُمْ بِإِيدَاعِهِ السِّجْنَ. ثُمَّ أَمَرَ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ بِالْقَبْضِ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي الْفَاسِدِ وَإِيدَاعِهِ السِّجْنَ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ. وَكَذَلِكَ أَمَرَ حُرَّاسَهُ بِإِحْضَارِ كُلِّ الرِّجَالِ الْفَاسِدِينَ وَالْمُجْرِمِينَ وَاللُّصُوصِ وَالْمُحْتَكِرِينَ وَإِيدَاعِهِمُ السِّجْنَ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ أَصْبَحَ حَالُ الْمَمْلَكَةِ أَفْضَلُ وَأَجْمَلَ. وَكُلَّمَا احْتَاجَ الْمَلِكُ لِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ شَخْصٍ مَا قَامَ بِاسْتِدْعَائِهِ وَنَثَرَ بَعْضَ الْغُبَارِ السِّحْرِيِّ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ حَقِيقَةَ مَشَاعِرِهِ وَنَوَايَاهُ.
The End