

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

لمى نضال سدر 15 عاما – حلحول
أَنَا فَتَاةٌ عَادِيَةٌ أَعِيشُ حَيَاتِي بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ مِثْلِي مِثْلَ أَيِّ شَخْصٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، كَانَتْ لَدَيَّ أُمْنِيَةٌ - وَلَنْ أَقُولَ حُلْمًا – وَهِيَ أُمْنِيَةٌ غَرِيبَةٌ بَعْضَ الشَّيْءِ، وَهِيَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ سَمَاعِ أَفْكَارِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِي.
وَكَأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ أُمْنِيَتِي وَاسْتَجَابَ لِي، فَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ اسْتَيْقَظْتُ مِثْلَ كُلِّ صَبَاحٍ عَادِيٍّ وَتَوَجَّهْتُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ، وَعِنْدَ عَوْدَتِي مِنَ الْمَدْرَسَةِ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الْبَيْتِ صَادَفْتُ امْرَأَةً طَاعِنَةً فِي السِّنِّ تَحْمِلُ كِيسًا كَبِيرًا وَتَئِنُّ تَحْتَ ثِقَلِهِ. لَمْ أَتَرَدَّدْ، تَوَجَّهْتُ إِلَيْهَا وَقُلْتُ: "هَلْ أُسَاعِدُكِ يَا جَدَّةُ؟"، رَدَّتْ بِابْتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ: "شُكْرًا لَكِ يَا صَغِيرَتِي". وَحَمَلْتُ عَنْهَا الْكِيسَ وَأَوْصَلْتُهَا إِلَى بَيْتِهَا. هُنَاكَ شَكَرَتْنِي وَهِيَ تُنَاوِلُنِي عُلْبَةً صَغِيرَةً مِنَ الْحَلْوَى الْمُلَوَّنَةِ قَائِلَةً: "خُذِي هَذِهِ الْحَلْوَى، سَتُغَيِّرُ حَيَاتَكِ". تَنَاوَلْتُ الْحَلْوَى مِنْ يَدِهَا، شَكَرْتُهَا وَغَادَرْتُ.
فِي الْمَسَاءِ وَحِينَ هَمَمْتُ بِالنَّوْمِ رَأَيْتُ عُلْبَةَ الْحَلْوَى بِجَانِبِ سَرِيرِي، تَنَاوَلْتُ حَبَّةً وَخَلَدْتُ لِلنَّوْمِ. فِي الصَّبَاحِ حِينَ اسْتَيْقَظْتُ سَمِعْتُ أُمِّي وَهِيَ تَقُولُ "يَا إِلَهِي، لَا زَالَتْ نَائِمَةً، إِنْ لَمْ تَسْتَيْقِظْ فَسَوْفَ أَسْكُبُ الْمَاءَ فَوْقَ رَأْسِهَا". نَهَضْتُ مِنْ فَوْرِي وَخَرَجْتُ مِنْ غُرْفَتِي وَقُلْتُ لِأُمِّي: "لَا دَاعِيَ لِسَكْبِ الْمَاءِ يَا أُمِّي، لَقَدْ نَهَضْتُ". صُدِمَتْ أُمِّي مِنْ كَلَامِي، وَاسْتَغْرَبَتْ أَنَّنِي كَرَّرْتُ مَا قَالَتْ فِي رَأْسِهَا لَكِنَّهَا لَمْ تُعَلِّقْ.

حِينَ خَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ وَمَشَيْتُ فِي الشَّارِعِ فَإِذَا بِعَشَرَاتِ الْأَصْوَاتِ تَتَدَاخَلُ فِي رَأْسِي، لَقَدْ شَعَرْتُ بِبَعْضِ الصُّدَاعِ، وَنَظَرْتُ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، هَذَا يَشْكُو ضِيقَ الْحَالِ، وَهَذَا يُفَكِّرُ بِأَوْلَادِهِ، وَهَذَا تَأَخَّرَ عَنْ عَمَلِهِ، وَهَذِهِ تُفَكِّرُ فِي طَبْخَةِ الْيَوْمِ، وَهَذِهِ لَا تُعْجِبُهَا مَلَابِسُهَا، وَهَذِهِ مُنْزَعِجَةٌ مِنْ ضَجِيجِ السَّيَّارَاتِ ... لَمْ يَكُونُوا يَتَكَلَّمُونَ، كَانُوا يُفَكِّرُونَ ... هُنَا أَيْقَنْتُ بِأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ سَمَاعَ أَفْكَارِ النَّاسِ مِنْ حَوْلِي.
حِينَ وَصَلْتُ الْمَدْرَسَةَ رَأَيْتُ صَدِيقَتِي الْمُقَرَّبَةَ، وَحِينَ تَوَجَّهْتُ نَحْوَهَا سَمِعْتُهَا تَقُولُ: "إِيهْ، هَا قَدْ جَاءَتِ الْمَغْرُورَةُ". قُلْتُ لَهَا فَوْرًا: "سَامَحَكِ اللهُ يَا مُنَى، أَنَا مَغْرُورَةٌ؟". شَعَرَتْ مُنَى بِالصَّدْمَةِ لِأَنَّنِي عَرَفْتُ بِمَاذَا تُفَكِّرُ. وَاسْتَطَعْتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ أَسْمَعَ كُلَّ أَفْكَارِ الطَّالِبَاتِ وَالْمُعَلِّمَاتِ فِي الْمَدْرَسَةِ.

حِينَ عُدْتُ لِلْبَيْتِ زَالَ مَفْعُولُ تِلْكَ الْحَبَّةِ، فَقُمْتُ بِتَنَاوُلِ حَبَّةٍ أُخْرَى قَبْلَ النَّوْمِ، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي أَصْبَحْتُ أَسْتَطِيعُ التَّحَكُّمَ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ وَتَنْظِيمَ اسْتِمَاعِي لِأَفْكَارِ النَّاسِ. يَا إِلَهِي كَمْ يُعَانِي النَّاسُ مِنْ حَوْلِي، سَمِعْتُ أَفْكَارًا حَزِينَةً وَأَفْكَارًا سَعِيدَةً، سَمِعْتُ أُنَاسًا يُعَانُونَ وَأُنَاسًا يَحْلُمُونَ، سَمِعْتُ أَفْكَارًا بَرِيئَةً وَأَفْكَارًا شِرِّيرَةً.

وَصِرْتُ كُلَّمَا انْتَهَى مَفْعُولُ حَبَّةٍ أَخَذْتُ وَاحِدَةً غَيْرَهَا حَتَّى شَارَفَتْ عُلْبَةُ الْحَلْوَى عَلَى الِانْتِهَاءِ. وَذَاتَ يَوْمٍ وَبَيْنَمَا كُنْتُ عَائِدَةً مِنَ الْمَدْرَسَةِ إِلَى الْبَيْتِ رَأَيْتُ نَفْسَ الْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ مَرَّةً أُخْرَى، رَكَضْتُ نَحْوَهَا وَأَنَا أَهْتِفُ: "يَا جَدَّةُ يَا جَدَّةُ، انْتَظِرِي". الْتَفَتَتْ إِلَيَّ بِنَفْسِ الِابْتِسَامَةِ الدَّافِئَةِ وَتَوَقَّفَتْ. "أَهْلًا يَا صَغِيرَتِي، كَيْفَ حَالُكِ؟" سَأَلَتْنِي. "لَسْتُ بِخَيْرٍ، هَذِهِ الْقُدْرَةُ أَصْبَحَتْ مُزْعِجَةً، أَرْجُوكِ أَخْبِرِينِي كَيْفَ أَتَخَلَّصُ مِنْهَا، لَقَدْ سَئِمْتُ؟" أَجَبْتُهَا. ابْتَسَمَتْ وَقَالَتْ: "هَذِهِ الْقُدْرَةُ كَانَتِ اخْتِبَارًا لَكِ، فَمَنْ يَعْرِفُ بِمَاذَا يُفَكِّرُ النَّاسُ إِمَّا أَنْ يَفْقِدَ الثِّقَةَ بِالْجَمِيعِ، أَوْ أَنْ يَفْقِدَ ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ".
صَمَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ سِرْتُ مُبْتَعِدَةً عَنْهَا بِهُدُوءٍ وَأَنَا أُفَكِّرُ فِي كَلِمَاتِهَا، وَأَدْرَكْتُ سَاعَتَهَا أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ بِحَاجَةٍ لِسَمَاعِ أَفْكَارِ الْآخَرِينَ حَتَّى أَفْهَمَهُمْ، بَلْ بِحَاجَةٍ لِأَفْهَمَهُمْ حَتَّى أَعْرِفَ بِمَاذَا يُفَكِّرُونَ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ اخْتَفَتْ كُلُّ الْأَصْوَاتِ فَجْأَةً وَعَادَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى طَبِيعَتِهِ.
النِّهايَة