

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

لميس فريد العواودة 15 عاماً – دير سامت
لَمْ تَكُنْ تَتَألَّمُ، لَمْ تَكُنْ تَشْعُرُ بِأَيِّ وَجَعٍ، حِينَ كَانَتْ تَجْرَحُ نَفْسَهَا لَمْ تَكُنْ تَنْتَبِهُ لِلْجُرْحِ، حَتَّى حِينَ كَانَتْ تَحْرِقُ يَدَهَا لَمْ تَكُنْ تَأْبَهُ لِذَلِكَ الْحَرْقِ. كَانَ وَالِدَاهَا يَتَعَجَّبَانِ لِهَذِهِ الطِّفْلَةِ الْعَجِيبَةِ، فَلَمِيسُ لَمْ تَكُنْ كَأَيِّ طِفْلَةٍ، كَانَتْ تُمْسِكُ بِالْجَمْرِ الْمُلْتَهِبِ، وَتَمْشِي فَوْقَ الزُّجَاجِ حَافِيَةَ الْقَدَمَيْنِ، وَالأَغْرَبُ أَنَّ حُرُوقَهَا وَجُرُوحَهَا كَانَتْ تُشْفَى خِلَالَ سَاعَاتٍ، كَمَا كَانَتْ تَتَمَتَّعُ بِقُوَّةٍ جَسَدِيَّةٍ هَائِلَةٍ حَيْثُ كَانَتْ تَسْتَطِيعُ رَفْعَ سَيَّارَةٍ فِي الْهَوَاءِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ.

ذَاتَ يَوْمٍ وَبَيْنَمَا كَانَتْ عَائِدَةً إِلَى الْبَيْتِ مِنَ الْمَدْرَسَةِ فَجْأَةً بَدَأَ النَّاسُ يَتَرَاكَضُونَ خَائِفِينَ، نَظَرَتْ فَإِذَا بِوَحْشٍ ضَخْمٍ مُخِيفٍ يُشْبِهُ التِّنِّينَ يَنْفُثُ النَّارَ مِنْ فَمِهِ فَيَحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ فِي طَرِيقِهِ، وَيَبْطِشُ بِيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ الضَّخْمَتَيْنِ الْقَوِيَّتَيْنِ كُلَّ مَا فِي طَرِيقِهِ مِنْ بَشَرٍ وَسَيَّارَاتٍ وَمَنَازِلَ. وَقَفَتْ لَمِيسُ بِكُلِّ شَجَاعَةٍ أَمَامَ الْوَحْشِ الْمُخِيفِ، حِينَ رَآهَا نَفَثَ النَّارَ تُجَاهَهَا لَكِنَّهَا لَمْ تَهْرُبْ بَلْ تَلَقَّتِ النَّارَ بِجَسَدِهَا فَاحْتَرَقَتْ مَلَابِسُهَا لَكِنَّهَا لَمْ تَحْتَرِقْ. قَفَزَتْ لَمِيسُ بِكُلِّ قُوَّتِهَا فِي الْهَوَاءِ وَحَطَّتْ فَوْقَ ظَهْرِ الْوَحْشِ وَبَدَأَتْ تَضْرِبُهُ بِكُلِّ قُوَّتِهَا وَالْوَحْشُ يَتَلَوَّى تَحْتَ ضَرَبَاتِهَا مِنَ الأَلَمِ حَتَّى سَقَطَ أَخِيرًا مَيْتًا عَلَى الأَرْضِ.
حَيَّا النَّاسُ لَمِيسَ عَلَى شَجَاعَتِهَا وَانْتَشَرَتْ أَخْبَارُهَا فِي كُلِّ الْعَالَمِ. وَمَرَّتِ الأَيَّامُ وَالسِّنِينُ وَلَمِيسُ تَكْبُرُ وَتَكْبُرُ قُوَّتُهَا مَعَهَا. وَذَاتَ يَوْمٍ هَاجَمَتِ الْمَدِينَةَ أَسْرَابٌ ضَخْمَةٌ مِنَ الدَّبَابِيرِ السَّامَّةِ، تَصَدَّتْ لَمِيسُ لَهَا وَبَدَأَتْ تَقْضِي عَلَيْهَا السِّرْبَ تِلْوَ الآخَرِ، وَكَانَتِ الدَّبَابِيرُ تَلْسَعُهَا فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ جَسَدِهَا، تَمَكَّنَتْ لَمِيسُ بَعْدَ مَعْرَكَةٍ طَاحِنَةٍ مِنَ الْقَضَاءِ عَلَى كُلِّ أَسْرَابِ الدَّبَابِيرِ لَكِنَّهَا حِينَ انْتَهَتْ بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِالضَّعْفِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ فَقَدَتْ لَمِيسُ كُلَّ قُوَّتِهَا. كَانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ سَمِّ الدَّبَابِيرِ الَّذِي كَانَ يَنْتَشِرُ فِي جَسَدِهَا. أَصْبَحَتْ لَمِيسُ إِنْسَانَةً عَادِيَّةً بِقُوَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ. وَذَاتَ يَوْمٍ أَرَادَ جَيْشُ الدَّوْلَةٍ الْمُجَاوِرَةِ غَزْوَ مَدِينَتِهَا، وَلِأَنَّهَا فَقَدَتْ قُوَّتَهَا الْخَارِقَةَ فَكَّرَتْ وَفَكَّرَتْ مَاذَا سَتَفْعَلُ، وَفِي النِّهَايَةِ وَجَدَتِ الْحَلَّ، تَوَجَّهَتْ لِجُمُوعِ النَّاسِ وَقَالَتْ:


- أَيُّهَا النَّاسُ، صَحِيحٌ أَنَّنِي فَقَدْتُ قُوَّتِي، لَكِنَّنِي لَمْ أَفْقِدِ الأَمَلَ. هَذِهِ مَدِينَتُكُمْ، بُيُوتُكُمْ، أَهَالِيكُمْ، أَحْلَامُكُمْ، ذِكْرَيَاتُكُمْ، وَمُسْتَقْبَلُكُمْ. فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِقُوَّتِكُمْ وَبِأَنَّكُمْ مَعًا تَسْتَطِيعُونَ صَدَّ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سَوْفَ يَحْتَلُّ أَرْضَكُمْ وَيَسْتَعْبِدُكُمْ، آمِنُوا بِقُوَّتِكُمْ وَقُدُرَاتِكُمْ فَالْقَلْبُ الْمَلِيءُ بِالإِيمَانِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَهْزِمَهُ شَيْءٌ. كَانَتْ كَلِمَاتُ لَمِيسَ كَالْجَمْرِ الَّذِي أَلْهَبَ قُلُوبَ النَّاسِ حَمَاسَةً وَقُوَّةً، هَتَفَ النَّاسُ بِاسْمِ لَمِيسَ ثُمَّ هَلَّلُوا وَتَوَجَّهُوا نَاحِيَةَ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ يُدَافِعُونَ عَنْهَا وَيَصُدُّونَ الْعَدُوَّ حَتَّى تَغَلَّبُوا عَلَيْهِ. هُنَا أَدْرَكَ الْجَمِيعُ أَنَّ قُوَّةَ الْجَمَاعَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَهْزِمَهَا قُوَّةٌ، وَأَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةٍ عَجِيبَةٍ لِيَتَغَلَّبَ عَلَى خَوْفِهِ.
النِّهايَة