

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

ساره فتحي حماد 16 عاماً – مركز الحموي، العيزرية/القدس

بَدَأَ ذَلِكَ حِينَ كَانَتْ رَافِي الصَّغِيرَةُ ذَاتَ يَوْمٍ تَلْعَبُ وَحْدَهَا بَيْنَ الزُّهُورِ، مَدَّتْ يَدَهَا فِي الهَوَاءِ كَأَنَّهَا تُمْسِكُ ضَوْءَ الشَّمْسِ، وَفَجْأَةً شَعَرَتْ بِوَخْزَةٍ دَافِئَةٍ فِي كَفِّهَا، فَتَحَتْ يَدَهَا فَوَجَدَتْ فَرَاشَةً صَغِيرَةً مُضِيئَةً تَدُورُ حَوْلَهَا وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُهَا مُنْذُ زَمَنٍ. حَطَّتِ الفَرَاشَةُ عَلَى إِصْبَعِ رَافِي الَّتِي بَدَأَتْ بِمُلَاعَبَتِهَا، ثُمَّ طَارَتْ. ضَحِكَتْ رَافِي وَلَاحَقَتْهَا تُحَاوِلُ الإِمْسَاكَ بِهَا، وَكَانَتِ الفَرَاشَةُ تَقْتَرِبُ وَتَبْتَعِدُ كَأَنَّهَا تُلَاعِبُهَا هِيَ أَيْضاً.
فِي القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتِ الخَرَائِطُ تَنْسَاهَا دَائِماً كَانَتْ هُنَاكَ بِنْتٌ اسْمُهَا رَافِي يُقَالُ انَّهَا وُلِدَتْ وَفِي يَدِهَا رَسْمَةُ فَرَاشَهْ بَدَلَ خُطُوطِ الكَفِّ. لَمْ تَكُنْ كَبَاقِي الأَطْفَالِ، فَبَيْنَمَا كَانَ الأَطْفَالُ يَلْعَبُونَ بِالحِجَارَةِ كَانَتْ هِيَ تُحَاكِي الفَرَاشَاتِ، بَيْنَمَا كَانُوا يَرْكُضُونَ خَلْفَ الكُرَةِ كَانَتْ هِيَ تَجْلِسُ بَيْنَ الأَزْهَارِ تُرَاقِبُ كَيْفَ تَتَفَتَّحُ وَالفَرَاشَاتُ تُحَلِّقُ حَوْلَهَا، كَانَ سِرُّ رَافِي هَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ سِوَاهَا.
حِينَ كَانَتْ رَافِي تَقُولُ لِلْفَرَاشَةِ "ارْجِعِي" كَانَتْ فِعْلاً تَرْجِعُ وَتَحُطُّ عَلَى إِصْبَعِ يَدِهَا. وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ بَدَأَتْ تَكْتَشِفُ انَ الفَرَاشَاتِ تَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهَا، فِي البِدَايَةِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ اثْنَتَانِ، ثُمَّ أَسْرَابٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الفَرَاشَاتِ مِنْ كُلِّ الأَلْوَانِ. لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فَرَاشَاتٍ عَادِيَّةً، كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ كِيَانٌ وَرُوحٌ، لَوْنٌ وَمَعْنَى ... فَرَاشَاتٌ صَفْرَاءُ تَنْشُرُ الفَرَحَ، فَرَاشَاتٌ زَرْقَاءُ تَمْحُو الخَوْفَ، فَرَاشَاتٌ بَيْضَاءُ تَمْسَحُ الحُزْنَ، وَبَنَفْسَجِيَّةٌ نَادِرَةٌ لَا تَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَمَا يَحْتَاجُ قَلْبٌ مَا إِلَى أَمَلٍ، وَذَهَبِيَّةٌ تَشْفِي قُلُوبَ المُتْعَبِينَ.
كَانَتْ إِذَا رَأَتْ حَزِيناً أَطْلَقَتْ فَرَاشَةً صَفْرَاءَ تَزْرَعُ الفَرَحَ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا رَأَتْ خَائِفاً أَرْسَلَتْ فَرَاشَةً زَرْقَاءَ تُهَدِّئُهُ، وَإِذَا وَجَدَتْ مَهْمُوماً أَرْسَلَتْ فَرَاشَةً تَدُورُ حَوْلَهُ فَيَبْتَسِمُ. كَانَ أَهْلُ القَرْيَةِ يَقُولُونَ إِنَّ الرَّاحَةَ تَأْتِي أَحْيَاناً بِلَا سَبَبٍ … وَلَمْ يَعْرِفُوا أَنَّ السَّبَبَ فَتَاةٌ تَمُرُّ بِصَمْتٍ وَتَتْرُكُ خَلْفَهَا أَجْنِحَةً تَمْلَأُ الفَضَاءَ فَرَحاً وَتَفَاؤُلاً وَبَهْجَةً. وَأَعْجَبُ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّ هَذِهِ الفَتَاةَ كَانَتْ تَسْمَعُ الفَرَاشَاتِ وَتُكَلِّمُهَا بِالسَّاعَاتِ.

مَرَّتِ السَّنَوَاتُ وَأَصْبَحَتْ رَافِي رُوحَ القَرْيَةِ الخَفِيَّةَ، لَكِنْ مَعَ الوَقْتِ بَدَأَ شَيْءٌ مَا يَتَغَيَّرُ فِي دَاخِلِهَا، بَدَأَتْ تَشْعُرُ بِنَوْعٍ مِنَ المَسْؤُولِيَّةِ، فَكُلَّمَا رَأَتْ دَمْعَةً، شَعَرَتْ بِالذَّنْبِ إِنْ لَمْ تُرْسِلْ فَرَاشَةً فَوْراً. أَصْبَحَتْ تُرَاقِبُ النَّاسَ بَدَلَ أَنْ تُشَارِكَهُمُ اللَّحْظَةَ، وَتَبْحَثُ عَنْ مُشْكِلَةٍ لِتُعَالِجَهَا بَدَلَ أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِوُجُودِهَا وَحَيَاتِهَا.

ذَاتَ لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الرِّيَاحُ تَصْفَعُ نَافِذَةَ غُرْفَتِهَا، وَقَفَتْ رَافِي أَمَامَ النَّافِذَةِ تُحَاوِلُ مُوَاسَاةَ طِفْلٍ يَبْكِي فِي البَيْتِ المُقَابِلِ، مَدَّتْ يَدَهَا، أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَهَمَسَتْ: "أُخْرُجِي"، لَكِنْ ... لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ، لَا وَخْزَةَ دَافِئَةَ، لَا ضَوْءَ، وَلَا رَفِيفَ أَجْنِحَةٍ. مَدَّتْ يَدَهَا الأُخْرَى فَرَكَتْ كَفَّيْهَا بِقُوَّةٍ نَادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: "اخْرُجِي"، لَكِنْ لَا شَيْءَ حَدَثَ، وَيَدُهَا الَّتِي كَانَتْ يَوْماً مَنْبَتاً وَمَنْبَعاً لِلْفَرَاشَاتِ، أَصْبَحَتْ مُجَرَّدَ يَدٍ عَادِيَّةٍ بِخُطُوطِ كَفٍّ بَاهِتَةٍ.
مَرَّتْ أَسَابِيعُ وَالقَرْيَةُ بَدَأَتْ تَذْبُلُ، الحُزْنُ الَّذِي كَانَ فِي السَّابِقِ يَتَبَدَّدُ بِسُرْعَةٍ أَصْبَحَ يَزْدَادُ وَيَثْقُلُ، وَرَافِي كَانَتِ الأَكْثَرَ انْكِسَاراً. شَعَرَتْ أَنَّهَا فَقَدَتْ هُوِيَّتَهَا فَمَنْ هِيَ رَافِي بِلَا فَرَاشَاتٍ؟! قَرَّرَتِ العَوْدَةَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ الحِكَايَةَ، حَقْلُ الأَزْهَارِ القَدِيمُ. جَلَسَتْ هُنَاكَ لِسَاعَاتٍ تَبْكِي بِصَمْتٍ، حَتَّى سَمِعَتْ صَوْتاً، لَمْ يَكُنْ صَوْتاً بَشَرِيّاً، بَلْ كَانَ يُشْبِهُ حَفِيفَ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ.
كَانَتْ فَرَاشَةٌ وَاحِدَةٌ بَاهِتَةُ اللَّوْنِ تَكَادُ لَا تَقْوَى عَلَى الطَّيَرَانِ، طَارَتْ وَطَارَتْ دَارَتْ وَدَارَتْ حَتَّى حَطَّتْ عَلَى كَتِفِهَا. "لِمَاذَا تَرَكْتِنِي؟" سَأَلَتْ رَافِي. لَمْ تُجِبِ الفَرَاشَةُ بِالكَلِمَاتِ بَلْ جَعَلَتْ رَافِي تَرَى رُؤْيَا فِي عَقْلِهَا، رَأَتْ نَفْسَهَا فِي الشُّهُورِ الأَخِيرَةِ وَهِيَ تَمُدُّ يَدَهَا كَآلَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ المَشَاعِرِ، دُونَ حُبٍّ دُونَ رَغْبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي التَّوَاصُلِ، رَأَتْ كَيْفَ تَحَوَّلَتْ قُدْرَتُهَا مِنْ هِبَةٍ إِلَى وَاجِبٍ، وَكَيْفَ انْشَغَلَتْ بِمُدَاوَاةِ الآخَرِينَ وَنَسِيَتْ نَفْسَهَا. الفَرَاشَاتُ لَمْ تَكُنْ تَخْرُجُ مِنْ يَدِهَا بَلْ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ فَيْضِ مَشَاعِرِهَا.

عِنْدَمَا جَفَّتْ مَشَاعِرُ رَافِي وَأَصْبَحَتْ مُجَرَّدَ آلَةٍ لِلْعَطَاءِ جَفَّتِ اليَنَابِيعُ وَاخْتَفَتِ الفَرَاشَاتُ. أَدْرَكَتْ رَافِي أَنَّهَا أَهْمَلَتْ نَفْسَهَا، تَوَقَّفَتْ عَنْ مُحَاوَلَةِ إِجْبَارِ الفَرَاشَاتِ عَلَى الظُّهُورِ، قَرَّرَتْ أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِالزُّهُورِ، أَنْ تَضْحَكَ لِأَنَّهَا سَعِيدَةٌ، لَا لِأَنَّهَا تُرِيدُ إِسْعَادَ أَحَدٍ. وَفِي لَحْظَةِ صِدْقٍ مَعَ الذَّاتِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُدَاعِبُ بَتَلَاتِ الوَرْدِ شَعَرَتْ بِتِلْكَ الوَخْزَةِ القَدِيمَةِ، لَكِنَّهَا هَذِهِ المَرَّةَ كَانَتْ أَقْوَى، لَمْ تَكُنْ وَخْزَةً دَافِئَةً فَحَسْبُ بَلْ كَانَتْ كَشَرَارَةٍ مِنْ نَارٍ. فَتَحَتْ كَفَّهَا، فَخَرَجَتْ فَرَاشَةٌ لَمْ تَرَ مِثْلَهَا مِنْ قَبْلُ كَانَتْ مَزِيجاً مِنْ كُلِّ الأَلْوَانِ تَشُعُّ نُوراً.
النِّهايَة