

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

راما خالد أبو سرحان 16 عاماً – العبيدية

ذَاتَ يَوْمٍ وَبَيْنَمَا كُنْتُ عَائِدَةً مِنَ الْمَدْرَسَةِ أُفَكِّرُ فِي حَالِ أُسْرَتِنَا السَّيِّءِ وَالْفَقْرِ الْمُدْقِعِ الَّذِي نُعَانِي مِنْهُ، وَإِذَا بِي أَجِدُ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً سَوْدَاءَ مُلْقَاةً عَلَى حَاشِيَةِ الطَّرِيقِ. نَظَرْتُ حَوْلِي فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا، اقْتَرَبْتُ مِنَ الْحَقِيبَةِ، حَمَلْتُهَا، فَتَحْتُهَا وَنَظَرْتُ بِدَاخِلِهَا. لَقَدْ كَانَتْ مُمْتَلِئَةً بِرُزَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمَالِ. فِي اللَّحْظَةِ الْأُولَى شَعَرْتُ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ "الْآنَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَدْفِنَ الْفَقْرَ إِلَى الْأَبَدِ وَنُوَدِّعَ التَّعَاسَةَ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ" قُلْتُ فِي سِرِّي.
لَكِنْ شَيْئًا أَيْقَظَنِي مِنْ تَفْكِيرِي، هَلْ آخُذُ الْحَقِيبَةَ وَأُعْطِيهَا لِوَالِدِي لِيُرَمِّمَ بَيْتَنَا الْمُتَدَاعِيَ، وَيَشْتَرِيَ لَنَا مَلَابِسَ جَدِيدَةً بَدَلَ مَلَابِسِنَا الَّتِي اهْتَرَأَتْ مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْغَسِيلِ، وَيُوَفِّرَ لَنَا مَا لَذَّ وَطَابَ مِنْ أَشْهَى الْمَأْكُولَاتِ وَالْفَاكِهَةِ؟ تَرَدَّدَ صَدَى كُلِّ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ فِي رَأْسِي، أَجَلْ سَآخُذُهَا ... لَا لَا، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَهَا فَهِيَ بِالتَّأْكِيدِ مِلْكُ شَخْصٍ مَا، وَرُبَّمَا كَانَ صَاحِبُهَا فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ لَهَا، وَرُبَّمَا كَانَ صَاحِبُهَا الْآنَ ضَائِعٌ يَبْحَثُ عَنْهَا وَهُوَ يَبْكِي.


وَبَعْدَ صِرَاعٍ مَرِيرٍ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَفْكَارِي، قَرَّرْتُ أَنْ آخُذَهَا إِلَى الْبَيْتِ وَأَتْرُكَ أَمْرَ التَّصَرُّفِ بِهَا لِوَالِدِي. وَفِعْلاً أَخَذْتُ الْحَقِيبَةَ وَأَعْطَيْتُهَا لِوَالِدِي. نَظَرَ وَالِدِي إِلَى النُّقُودِ طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ: "سَنَذْهَبُ بِهَا إِلَى الشُّرْطَةِ، فَنَحْنُ لَا نَقْبَلُ أَنْ نَأْكُلَ الْحَرَامَ وَأَنَا لَا أَقْبَلُ أَنْ أُطْعِمَ أَوْلَادِي مِنْ مَالٍ لَيْسَ لِي".

أَخَذَ وَالِدِي الْحَقِيبَةَ إِلَى الشُّرْطَةِ، وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ رَنَّ جَرَسُ الْبَابِ، رَكَضْتُ تُجَاهَ الْبَابِ وَعِنْدِيَ إِحْسَاسٌ بِأَنَّ خَارِجَ الْبَابِ مُفَاجَأَةً، وَمَا إِنْ فَتَحْتُ الْبَابَ حَتَّى رَأَيْتُ رَجُلاً خَمْسِينِيّاً يَرْتَدِي بَذْلَةً جَمِيلَةً وَيَبْدُو عَلَيْهِ الْغِنَى.
- لا بُدَّ أَنَّكِ رَامَا

- نَعَمْ أَنَا رَامَا، وَمَنْ أَنْتَ يَا عَمُّ؟
- أَنَا صَاحِبُ الْحَقِيبَةِ
- أَوْهْ، تَفَضَّلْ أَرْجُوكَ سَأُخْبِرُ وَالِدِي حَالاً

ودخل الرجل بيتنا المتواضع جداً، وجاء والدي وتعارفا، صنعت أمي القهوة، وتحدث الرجل كيف فقد الحقيبة ولم يعرف اين وكيف فقدَها. وقال:
- الْآنَ أَخْبِرِينِي يَا رَامَا، مَاذَا تَطْلُبِينَ مُكَافَأَةً لَكِ عَلَى أَمَانَتِكِ؟
- مِمْمِمْ صِدْقاً لَا أُرِيدُ شَيْئاً
- لَا يُمْكِنُ، يَجِبُ أَنْ أُكَافِئَكَ
نَظَرْتُ نَاحِيَةَ أَبِي فَوَجَدْتُهُ صَامِتًا فَقُلْتُ:

- أُرِيدُ مَبْلَغاً يُسَاعِدُ وَالِدِي وَيُسَدِّدُ بَعْضاً مِنْ دُيُونِهِ
- هل مئة ألفٍ تكفي؟
- مَاذَا؟!! مِئَةُ أَلْفٍ، لَكِنَّ هَذَا كَثِيرٌ، كَثِيرٌ جِدًّا
- لَا لَيْسَ كَثِيرًا، هَلْ تَعْرِفِينَ كَمْ كَانَ فِي الْحَقِيبَةِ؟
- صِدْقاً لَا، فَأَنَا لَمْ أَعْبَثْ بِالْمَالِ أَبَداً وَلَمْ أَلْمَسْهُ وَلَمْ أُحَاوِلْ أَنْ أَعُدَّهُ
- كَانَ هُنَاكَ مِلْيُونُ دُولَارٍ
- مَلْيُونُ دُولَارٍ؟ رَقْمٌ كَبِيرٌ
- وَالْمِئَةُ أَلْفٍ عُشْرُ الْمَبْلَغِ لِتُحَسِّنُوا بِهِ حَيَاتَكُمْ

- الْحَمْدُ لِلَّهِ، شُكْرًا يَا سَيِّدِي، الْآنَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُرَمِّمَ بَيْتَنَا، وَيَسْتَطِيعُ أَبِي أَنْ يُسَدِّدَ دُيُونَهُ وَأَنْ يَشْتَرِيَ لَنَا مَلَابِسَ جَدِيدَةً
- لَا، الْمَلَابِسُ الْجَدِيدَةُ هَذِهِ اتْرُكِيهَا عَلَيَّ
- لَكِنَّ هَٰذَا كَثِيرٌ يَا سَيِّدِي
- لَا لَيْسَ كَثِيرًا

وَهَكَذَا انْتَهَتْ قِصَّتِي مَعَ الْحَقِيبَةِ نِهَايَةً سَعِيدَةً، وَأَيْقَنْتُ بَعْدَهَا أَنَّ الْمَالَ الْحَلَالَ مَهْمَا كَانَ قَلِيلاً إِلَّا أَنَّهُ أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَالِ الْكَثِيرِ لَوْ كَانَ حَرَامًا.
النِّهايَة