

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

ديانا أبو الحلاوة 45 عاماً - الخليل

كَانَ طِفْلاً هَادِئاً يَعْشَقُ الرَّسْمَ وَالْأَلْوَانَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَرْسُمَ عَالَمَهُ الْخَاصَّ، كُوخٌ وَأَشْجَارٌ وَطُيُورٌ وَأَزْهَارٌ وَقَمَرٌ وَأَنْهَارٌ وَسُهُولٌ وَبِحَارٌ وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ وَشُمُوسٌ وَأَمْطَارٌ وَحَيَوَانَاتٌ وَجِبَالٌ. لَكِنْ كَانَتْ لَدَى سَامِرَ مُشْكِلَةٌ وَاحِدَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، التَّنَمُّرُ. نَعَمْ، فَقَدْ كَانَ زُمَلَاؤُهُ فِي الْمَدْرَسَةِ يَتَنَمَّرُونَ عَلَيْهِ طِيلَةَ الْوَقْتِ وَيَسْخَرُونَ مِنْ رُسُومَاتِهِ، وَهَذَا كَانَ يُزْعِجُهُ كَثِيراً وَيَدْفَعُهُ لِلانْعِزَالِ وَالصَّمْتِ يُخْفِي حُزْنَهُ خَلْفَ ابْتِسَامَتِهِ الْبَاهِتَةِ وَكَأَنَّ شَرْخاً حَدَثَ فِي دَاخِلِهِ يَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ. ذَاتَ يَوْمٍ، أَعْلَنَتْ إِدَارَةُ الْمَدْرَسَةِ عَنْ مُسَابَقَةٍ فِي الرَّسْمِ وَأَنَّهَا سَتُعَلِّقُ رُسُومَاتِ الْفَائِزِ عَلَى لَوْحَةِ الشَّرَفِ أَمَامَ الْمَدْرَسَةِ كُلِّهَا. أَرَادَ سَامِرُ وَبِشِدَّةٍ أَنْ يُشَارِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ، لَكِنَّ شَيْئاً كَانَ يَمْنَعُهُ، الْمُتَنَمِّرُونَ. لَقَدْ خَشِيَ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْهُ وَمِنْ لَوْحَاتِهِ، لَقَدْ خَشِيَ أَنْ يَخْسَرَ الْمُسَابَقَةَ فَيَزْدَادَ الْمُتَنَمِّرُونَ تَنَمُّراً عَلَيْهِ.
حِينَ عَادَ إِلَى الْبَيْتِ، جَلَسَ فِي فِنَاءِ بَيْتِهِ صَامِتاً كَعَادَتِهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ رَآى سِرْباً مِنَ النَّمْلِ. وَبَيْنَ آلَافِ النَّمْلِ رَآى وَاحِدَةً تَبْذُلُ جُهْداً خَارِقاً فِي حَمْلِ حَبَّةِ قَمْحٍ، كَانَتْ حَبَّةُ الْقَمْحِ ضِعْفَ حَجْمِ النَّمْلَةِ، لَكِنَّهَا لَمْ تَيْأَسْ وَلَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ الْمُحَاوَلَةِ، حَمَلَتِ الْحَبَّةَ فَسَقَطَتْ مِنْهَا، حَمَلَتْهَا ثَانِيَةً فَسَقَطَتْ مَرَّةً أُخْرَى، وَمَرَّةً ثَالِثَةً وَرَابِعَةً وَعَاشِرَةً ... لَكِنَّهَا لَمْ تَيْأَسْ، فِي النِّهَايَةِ حَمَلَتْهَا بِكُلِّ عَزْمٍ وَإِصْرَارٍ وَسَارَتْ بِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْهَا بَيْتَ النَّمْلِ. تَعَجَّبَ سَامِرُ وَفَكَّرَ "إِذَا كَانَتِ النَّمْلَةُ وَهِيَ نَمْلَةٌ لَمْ تَيْأَسْ وَتَمَكَّنَتْ مِنْ حَمْلِ ضِعْفِ حَجْمِهَا وَوَزْنِهَا، هَلْ سَأَعْجَزُ أَنَا عَنْ مُوَاجَهَةِ خَوْفِي وَتَرَدُّدِي؟!". وَاسْتَلَّ أَلْوَانَهُ وَشَرَّعَ أَوْرَاقَهُ وَبَدَأَ بِالرَّسْمِ، رَسَمَ كُوخاً بَيْنَ الْجِبَالِ تُحِيطُ بِهِ الْأَشْجَارُ وَالْأَزْهَارُ، رَسَمَ شَمْساً مُشْرِقَةً تَبْتَسِمُ لِلطُّيُورِ وَالْفَرَاشَاتِ، وَرَسَمَ حِصَاناً يَعْدُو فِي السُّهُولِ الْخَضْرَاءِ ... وَرَسَمَ طِفْلاً صَغِيراً يَقِفُ فِي مُوَاجَهَةِ ظِلَالٍ كَبِيرَةٍ وَيَحْمِلُ فِي يَدِهِ مِصْبَاحاً صَغِيراً ... رَسَمَ وَرَسَمَ حَتَّى تَعِبَتْ أَصَابِعُهُ مِنَ الرَّسْمِ.


وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي قَدَّمَ رُسُومَاتِهِ لِلْمُعَلِّمَةِ، نَظَرَتِ الْمُعَلِّمَةُ لِلرُّسُومَاتِ بِانْبِهَارٍ وَإِعْجَابٍ شَدِيدَيْنِ، وَفِي يَوْمِ الْمُسَابَقَةِ ... بِالطَّبْعِ فَازَ سَامِرُ بِالْجَائِزَةِ الْأُولَى، وَتَمَّ تَثْبِيتُ رُسُومَاتِهِ عَلَى لَوْحَةِ الشَّرَفِ لِيَرَاهَا كُلُّ طُلَّابِ الْمَدْرَسَةِ. وَحِينَ طَلَبَتِ الْمُعَلِّمَةُ مِنْهُ أَنْ يَشْرَحَ لِلطَّلَبَةِ مَا قَصَدَ مِنْ رَسْمَةِ الطِّفْلِ حَامِلِ الْمِصْبَاحِ قَالَ بِصَوْتٍ وَاثِقٍ: "الظِّلَالُ هِيَ الْخَوْفُ وَالْكَلَامُ الْجَارِحُ وَالتَّنَمُّرُ، وَالضَّوْءُ هُوَ الشَّجَاعَةُ وَالثِّقَةُ بِدَاخِلِ كُلِّ وَاحِدٍ فِينَا".
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ شَعَرَ الْمُتَنَمِّرُونَ بِالْخَجَلِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِنْ تَأْنِيبِ الضَّمِيرِ، تَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ نَحْوَ سَامِرَ وَقَالَ مُعْتَذِراً أَمَامَ الْجَمِيعِ: "لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ اسْتِهْزَاءَنَا بِكَ يُوجِعُكَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ ... نَحْنُ آسِفُونَ". وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَصْبَحَ لِسَامِرَ أَصْدِقَاءُ كُثُرٌ، وَأَوَّلُهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْمَاضِي يَتَنَمَّرُونَ عَلَيْهِ وَأَيْقَنُوا جَمِيعاً أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ يُمْكِنُ أَنْ تُدَاوِيَ جُرْحاً وَأَنَّ الْكَلِمَةَ السَّيِّئَةَ يُمْكِنُ أَنْ تَفْتَحَ جُرُوحاً.
النِّهايَة