

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

محمد مصطفى سدودي 15 عاماً – طولكرم
فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ كَانَ مُخَيَّمُ طُولْكَرْمَ يَسْتَيْقِظُ عَلَى أَصْوَاتِ ضَحِكَاتِ الْأَطْفَالِ تَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِ الْجُدْرَانِ وَالْأَزِقَّةِ كَمَا يَتَسَلَّلُ ضَوْءُ الشَّمْسِ الدَّافِئُ مِنْ شَبَابِيكِ الْبُيُوتِ الْهَادِئَةِ. وَيَبْدَأُ يَوْمُ الْمُخَيَّمِ، صَوْتُ الزَّنَّانَةِ مُزْعِجٌ هَذِهِ الْمَرَّةَ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مَرَّةٍ. أُمُّ حَسَنٍ الَّتِي يَعْرِفُهَا كُلُّ أَهْلِ الْمُخَيَّمِ بِدَعَوَاتِهَا الصَّادِقَةِ تَفْتَحُ نَافِذَتَهَا الصَّغِيرَةَ "يَا فَتَّاحُ يَا عَلِيمُ يَا رَزَّاقُ يَا كَرِيمُ".
سَارَتِ الْحَيَاةُ بِبُطْءٍ وَبِشَكْلٍ شِبْهِ طَبِيعِيٍّ دَاخِلَ الْمُخَيَّمِ، كُلُّ شَيْءٍ عَادِيٌّ، هُدُوءٌ غَرِيبٌ خَيَّمَ عَلَى الْبُيُوتِ وَالشَّوَارِعِ، فَجْأَةً دَوَّى صَوْتُ انْفِجَارٍ عَنِيفٍ وَكَأَنَّهُ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ. وَانْتَشَرَ الْخَبَرُ سَرِيعًا كَانْتِشَارِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ "قَصْفُ سَيَّارَةٍ وَاسْتِشْهَادُ كُلِّ مَنْ بِدَاخِلِهَا". وَارْتَفَعَ صَوْتُ الزَّنَّانَةِ أَكْثَرَ تُصَاحِبُهُ جَرَّافَاتُ الِاحْتِلَالِ تَأْكُلُ الْأَرْضَ أَكْلًا. هَذِهِ الْمَرَّةُ لَيْسَتْ كَكُلِّ مَرَّةٍ، النَّاسُ يَتَرَاكَضُونَ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، أَبْوَاقُ السَّيَّارَاتِ تَمْلَأُ الدُّنْيَا، الْأُمَّهَاتُ تَبْحَثُ عَنْ أَطْفَالِهِنَّ وَالْأَطْفَالُ يَبْكُونَ كَالضَّائِعِينَ، الْمَحَلَّاتُ تُغْلِقُ أَبْوَابَهَا، وَدَوْرِيَّاتُ الِاحْتِلَالِ تَطْلُبُ مِنَ النَّاسِ عَبْرَ مُكَبِّرَاتِ الصَّوْتِ بِأَنْ يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ.

"يَا خَالِدُ فُوتْ عَالدَّارِ يِمَّا" صَرَخَتْ أُمُّ خَالِدٍ. "جَايْ جَايْ يِمَّا بِبْعِدْشْ" رَدَّ خَالِدٌ. "هَالْمَرَّةِ غَيْرْ" قَالَتِ الْحَاجَّةُ أُمُّ حَسَنٍ، لٰكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ بِأَنَّ هٰذَا "الْغَيْرَ" هُوَ الْخُرُوجُ بِلَا عَوْدَةٍ. مُحَرِّكَاتُ االْبُلْدُوزَرَاتِ تَهُزُّ الْأَحْيَاءَ وَالْأَوَامِرُ الْعَسْكَرِيَّةُ تَتَرَدَّدُ فِي الْأَرْجَاءِ. آدَمُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزِ الْعَاشِرَةَ سَأَلَ جَدَّتَهُ "سِتِّيْ لِيشْ فِي صَوْتْ جَرَّافَاتْ كْتِيرْ؟!"، أَجَابَتْهُ وَهِيَ تُحَاوِلُ أَنْ تُخْفِيَ عَنْهُ خَوْفَهَا "هَذُولْ جَايِّينْ يِفَتِّشُوا يَا حَبِيبِي بَسْ لَا تْخَافْ إِحْنَا مَعْ بَعْضْ".
لَكِنَّ الْخَوْفَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ الْكَلِمَاتِ، الْجُنُودُ اقْتَحَمُوا الْمُخَيَّمَ بِالْمِئَاتِ، فَجَّرُوا الْأَبْوَابَ، دَخَلُوا الْبُيُوتَ بِلَا رَحْمَةٍ، فَتَّشُوهَا، اعْتَقَلُوا الشَّبَابَ وَالشُّيُوخَ ... لَمْ يَكُنِ الْمَشْهَدُ مُجَرَّدَ اقْتِحَامٍ عَادِيٍّ، لَقَدْ كَانَ اقْتِلَاعًا لِلْهُدُوءِ وَالْأَمَانِ. حَنَانُ الَّتِي لَمْ تَتَجَاوَزِ الثَّمَانَ عَشْرَةَ رَبِيعًا قَالَتْ "صَوْتُ أَوَامِرِ الْجُنُودِ، اقْتِحَامُ الْبُيُوتِ، لَمْ يُعْطِنَا وَقْتًا حَتَّى لِلتَّفْكِيرِ، كُلُّ شَيْءٍ كَانَ أَسْرَعَ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى الْفَهْمِ، خَرَجْنَا كَمَا نَحْنُ بِمَلَابِسِنَا الْخَفِيفَةِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِشِتَاءٍ قَاسٍ لَا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، لَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا شَيْئًا، وَلَا حَتَّى صُوَرَنَا وَذِكْرَيَاتِنَا، وَلَا شَيْءَ يُشْبِهُنَا، أَخَذْنَا فَقَطْ مَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَطَالَهُ أَيْدِينَا الْمُرْتَجِفَةُ خَوْفًا وَبَرْدًا مِنَ الْقَلِيلِ مِنَ الْمَلَابِسِ ... وَالْكَثِيرِ مِنَ الصَّمْتِ.
وَحَلَّ الظَّلَامُ، كَانَ اللَّيْلُ أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ وَالْهَوَاءُ أَبْرَدَ مِنَ الْمَأْلُوفِ وَالْأَرْضُ قَاسِيَةٌ، وَلَا سَقْفَ يَحْمِينَا سِوَى السَّمَاءِ. لَمْ يَكُنْ لَنَا مَلْجَاٌ نَحْتَمِي فِيهِ مِنَ الرِّيَاحِ، كُنَّا نَبْحَثُ عَنْ دِفْءٍ مُؤَقَّتٍ، عَنْ أَمَانٍ مُؤَجَّلٍ. الْأَطْفَالُ يَرْتَجِفُونَ بَرْدًا وَخَوْفًا وَالْكِبَارُ يَتَظَاهَرُونَ بِالْقُوَّةِ رَغْمَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ تَتَكَسَّرُ بِصَمْتٍ. مَرَّتِ الْأَيَّامُ ثَقِيلَةً وَكَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ عِنْدَ لَحْظَةِ النُّزُوحِ.
عندما بزغ الفجر كانت الجرافات قد أكلت كل شيءٍ في طريقها، الشوارعُ والميادين، البيوتُ والأشجار، المحلاتُ والساحات، وكأنها ترسمُ معالمَ المخيمِ من جديد. حتى غدا المخيمُ فارغاً خالياً من ساكنيه ولم تعد ضحكات الأطفالِ تملأ الشوارع والبيوت ولم تعد الشمسُ تتسلل عبر النوافذِ والشبابيك، لم يقلي العم أبو صابرين الفلافل لطلاب المدارس، ولم يتجمع الشبابُ مساءً أمام المقاهي، ولم تعد النسوة يجلسنَ على عتبات البيوت يحتسين القهوة معاً صباحاً ... أطفئت الأنوار وانتشرت في المكانِ رائحةُ الترابِ والفراغ.


لَكِنَّنَا رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَغْمَ الْوَجَعِ لَمْ نَتَوَقَّفْ، بَدَأْنَا مِنَ الصِّفْرِ، مِنْ لَا شَيْءٍ، تَعَلَّمْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ الدِّفْءَ مِنَ الْبَرْدِ وَكَيْفَ نُحَوِّلُ التَّعَبَ إِلَى قُوَّةٍ وَالْخَسَارَةَ إِلَى إِصْرَارٍ. بَنَيْنَا حَيَاتَنَا قِطْعَةً قِطْعَةً كَمَا يُبْنَى الْبَيْتُ حَجَرًا فَوْقَ حَجَرٍ بِإِيمَانٍ وَقَنَاعَةٍ بِأَنَّنَا نَسْتَحِقُّ الْأَفْضَلَ.
لَمْ يَكُنِ الطَّرِيقُ سَهْلاً، تَعَلَّمْنَا أَنَّ الاحْتِلَالَ يَسْتَطِيعُ طَبْعاً أَنْ يَهْدِمَ الْبُيُوتَ لٰكِنَّهُ أَبَداً لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهْدِمَ الْأَمَلَ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْرِقَ الْأَرْضَ لٰكِنَّهُ أَبَداً لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْرِقَ الرُّوحَ. حَمَلْنَا ذِكْرَىٰ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي قُلُوبِنَا وَذَاكِرَتِنَا بِبَرْدِهَا وَخَوْفِهَا وَوَجَعِهَا، لٰكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نِهَايَةَ الْحِكَايَةِ بَلْ بِدَايَتَهَا.
فَسَوْفَ يَبْقَى الْمُخَيَّمُ نَابِضًا بِالْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأَمَلِ وَالْحَيَاةِ، كُلُّ بَيْتٍ فِيهِ يَحْمِلُ قِصَصًا وَذِكْرَيَاتٍ، كُلُّ طِفْلٍ فِيهِ يَحْمِلُ حُلْمًا، كُلُّ امْرَأَةٍ فِيهِ تَنْسِجُ صَبْرًا، وَكُلُّ رَجُلٍ فِيهِ يَصْنَعُ أَمَلًا، وَكُلُّ حَجَرٍ فِيهِ سَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَى إِرَادَةِ الْحَيَاةِ.
The End