

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
جلس على مقعده في حديقة البيت يحتسي قهوته بهدوء، أخذ يرتشف القهوة من فنجانه وهو يستمتع بأشعة الشمس الدافئة والنسيم الربيعي العليل. نظر أسيد باتجاه السور ليلفت انتباهه أن ظل السور…

نورا أبو ميزر 15 عاماً - الخليل

مَا زَالَ ذٰلِكَ الصَّوْتُ عَالِقًا فِي ذَاكِرَتِي مُنْذُ الطُّفُولَةِ … ذٰلِكَ الصَّوْتُ الهَادِئُ المَلِيءُ بِالحَنَانِ الَّذِي كَانَ يُوقِظُنِي كُلَّ صَبَاحٍ: "يَلَّا يَابَا قُومِي خَلِّينَا نِطْلَعْ". كُنْتُ أَفْتَحُ عَيْنَيَّ بِصُعُوبَةٍ، فَأَرَاهُ وَاقِفًا عِنْدَ البَابِ بِشُمُوخِهِ وَهَيْبَتِهِ مُبْتَسِمًا، يَتَقَدَّمُ نَحْوَ سَرِيرِي وَيَشُدُّنِي مِنْ يَدِي لِكَيْ أَنْهَضَ. كُنَّا نَخْرُجُ نَتَمَشَّى، وَأَحْيَانًا نَجْلِسُ فَقَطْ وَنَتَحَدَّثُ وَنَضْحَكُ. كَانَتْ لَحَظَاتٍ بَسِيطَةً جِدًّا، لٰكِنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِي كَانَتْ عَالَمًا كَامِلًا مِنَ الدِّفْءِ وَالفَرَحِ.
أَبِي كَانَ إِنْسَانًا مُخْتَلِفًا … قَوِيًّا، جَرِيئًا لَا يَخَافُ أَحَدًا. وَكَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَ النَّاسِ بِشَخْصِيَّتِهِ الْقَوِيَّةِ. لٰكِنْ رَغْمَ كُلِّ هٰذِهِ الْقُوَّةِ، كَانَ يَحْمِلُ قَلْبًا حَنُونًا بِشَكْلٍ لَا يُوصَفُ. كَانَ حَنَانُهُ يَطْغَى عَلَى قُوَّتِهِ، وَطِيبَتُهُ تَغْلِبُ قَسْوَتَهُ.
كانَ الخيلُ أكثرَ شيءِ يحبه في حياته، فقد كانت هوايته تربيتُها وامتطائها. لقد كان يشعرُ كأنَّ بينه وبينها علاقةً خاصة، فكان حين يتمايلُ فوقها يشعرُ بأنه ملكٌ فوق عرشٍ يحملهُ حصان. إلى جانبِ الخيلِ كانت لديهِ أيضًا أغنامٌ يهتمُّ بها ويقضي وقتًا طويلًا معها وكأنها جزءٌ من حياته وروحه.

وَكَانَ حَوْلَهُ دَائِمًا أَصْدِقَاءُ مُقَرَّبُونَ جِدًّا، مِنْهُمْ إِيَادُ وَحَمْزَةُ. لَقَدْ كَانَتْ صَدَاقَتُهُمْ قَوِيَّةً؛ يَعْمَلُونَ مَعًا وَيُسَاعِدُونَ بَعْضَهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَكَثِيرًا مَا كَانُوا يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ مَعًا وَيَسْرَحُونَ بِهَا، يَضْحَكُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ لِسَاعَاتٍ طَوِيلَةٍ.
لٰكِنْ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ تَغَيَّرَ كُلُّ شَيْءٍ، اِقْتَحَمَ جُنُودُ الِاحْتِلَالِ بَيْتَنَا وَاعْتَقَلُوهُ. صَارَ الْبَيْتُ بَعْدَ اعْتِقَالِهِ مُوحِشًا هَادِئًا، وَصَارَتِ الْحَيَاةُ وَكَأَنَّ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْهَا اخْتَفَىٰ فَجْأَةً. مَرَّتْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً الْآنَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنَّا، وَمَا زَالَتْ أَرْبَعُ سَنَوَاتٍ تَفْصِلُنَا عَنْ عَوْدَتِهِ، آهٍ مَا أَطْوَلَهَا مِنْ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ.
أَحْيَانًا أَتَخَيَّلُهُ هُنَاكَ يَتَذَكَّرُ كُلَّ شَيْءٍ … يَتَذَكَّرُ الْخَيْلَ الَّتِي كَانَ يُحِبُّهَا، وَالْأَغْنَامَ الَّتِي كَانَ يَعْتَنِي بِهَا، وَأَصْدِقَاءَهُ الَّذِينَ كَانُوا يُشَارِكُونَهُ الضَّحِكَ وَالْوَقْتَ. وَيَتَذَكَّرُ الْبَيْتَ … وَيَتَذَكَّرُنِي وَأَنَا صَغِيرَةٌ عِنْدَمَا كَانَ يُوقِظُنِي مِنَ النَّوْمِ.

وَلَكِنْ وَرَغْمَ كُلِّ السِّنِينَ الَّتِي مَرَّتْ، ذِكْرَيَاتِي مَعَهُ لَمْ تَخْتَفِ أَبَدًا. بَلْ أَصْبَحَتْ أَغْلَى عَلَى رُوحِي وَأَقْرَبَ إِلَى قَلْبِي. وَمَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ الْيَوْمَ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ، وَيَعُودُ مَعَهُ صَوْتُ ضَحِكَاتِهِ تَمْلَأُ الْبَيْتَ فَرَحًا وَحَيَاةً … يَوْمَهَا فَقَطْ سَأَشْعُرُ أَنَّ قِطْعَةً كَبِيرَةً مِنْ قَلْبِي رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا. عِنْدَهَا سَيَعُودُ ذَلِكَ الصَّوْتُ إِلَى قَلْبِي وَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: "يَلَّا يَابَا قُومِي… خَلِّينَا نِطْلَعِ الْيَوْمَ."
The End