

يوسف عياش 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم
أنا يوسُف، منذ صغري كنت أحلمُ بالحديث مع الحيوانات والطيور، كنت أتمنى أن أتكلم مع قطيّ زمرد لأعرف هل هو جائع أو مريض، أو أن أتحدث مع عصفوري شمس لأعرف إن كان يشعر بالوحدة أم لا ...…

غزل مهنا 15 عاماً – أكاديمية المدربين، طولكرم

جَلَسَ عَلَى مَقْعَدِهِ فِي حَدِيقَةِ الْبَيْتِ يَحْتَسِي قَهْوَتَهُ بِهُدُوءٍ، أَخَذَ يَرْتَشِفُ الْقَهْوَةَ مِنْ فِنْجَانِهِ وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ بِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الدَّافِئَةِ وَالنَّسِيمِ الرَّبِيعِيِّ الْعَلِيلِ. نَظَرَ أُسَيْدٌ بِاتِّجَاهِ السُّورِ لِيَلْفِتَ انْتِبَاهَهُ أَنَّ ظِلَّ السُّورِ قَدِ اخْتَفَى، فَرَكَ عَيْنَيْهِ مُتَعَجِّبًا وَنَظَرَ إِلَى الْأَشْجَارِ فَوَجَدَهَا بِلَا ظِلَالٍ، لَقَدْ ظَنَّ بِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ شُعُورُهُ بِالتَّعَبِ وَالْإِرْهَاقِ مِنَ الْعَمَلِ.
عَادَ إِلَى الْمَنْزِلِ، دَخَلَ غُرْفَتَهُ، أَنَارَ الْغُرْفَةَ وَنَظَرَ حَوْلَهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ ظِلَّهُ. هَرَعَ إِلَى زَوْجَتِهِ خَائِفًا وَقَالَ: "مُنَى، لَقَدِ اخْتَفَى ظِلِّي". ضَحِكَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ كَلِمَاتِهِ وَقَالَتْ: "مَاذَا تَقُولُ؟ يَبْدُو أَنَّكَ مُرْهَقٌ مِنَ الْعَمَلِ يَا زَوْجِي". "رُبَّمَا" قَالَ فِي سِرِّهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى عَمَلِهِ.
مَشَى فِي الشَّارِعِ لَكِنَّهُ وَجَدَ كُلَّ النَّاسِ حَائِرُونَ يَبْحَثُونَ عَنْ ظِلَالِهِمْ، فَتَحَ جِهَازَهُ النَّقَّالَ وَفَتَحَ عَلَى أَحَدِ الْمَوَاقِعِ الْإِخْبَارِيَّةِ فَوَجَدَهَا تَنْقُلُ بَثًّا مُبَاشِرًا مِنْ شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ. لَقَدْ بَدَأَتِ الظِّلَالُ بِالِاخْتِفَاءِ ثُمَّ بَدَأَتْ تَظْهَرُ وَتَنْتَقِلُ مِنْ شَخْصٍ لِآخَرَ، ظِلُّ لِصٍّ يَنْتَقِلُ لِيَحُلَّ مَحَلَّ ظِلِّ رَجُلٍ أَمِينٍ، ظِلُّ قَاتِلٍ يَنْتَقِلُ لِيَحُلَّ مَحَلَّ ظِلِّ رَجُلٍ بَرِيءٍ، ظِلُّ امْرَأَةٍ يَنْتَقِلُ لِيَحُلَّ مَحَلَّ ظِلِّ رَجُلٍ، ظِلُّ رَجُلٍ وَقِحٍ يَنْتَقِلُ لِيَحُلَّ مَحَلَّ ظِلِّ رَجُلٍ مُؤَدَّبٍ ... حَتَّى اخْتَلَطَتِ الظِّلَالُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَصْبَحَ كُلُّ شَخْصٍ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّهُ هُوَ، وَبِأَنَّ أَفْعَالَهُ لَيْسَتْ أَفْعَالَهُ لِأَنَّ ظِلَّهُ لَا يُمَثِّلُهُ.


تَوَجَّهَ الرَّجُلُ إِلَى سَاحَةِ الْبَلْدَةِ لِيَبْحَثَ عَنْ ظِلِّهِ، هُنَاكَ وَجَدَ شَقِيقَتَهُ غَزَلَ تَبْكِي وَهِيَ تُرَاقِبُ ظِلَّهَا يَرْتَكِبُ أَفْعَالًا سَيِّئَةً أَمَامَ عَيْنَيْهَا. أَمْسَكَ بِيَدِهَا وَسَحَبَهَا يُرِيدُ أَنْ يَعُودَ بِهَا إِلَى لَبِيتِ لَكِنَّهَا سَحَبَتْ يَدَهَا وَقَالَتْ: "إِنَّ الظِّلَّ لَا يَفْضَحُنَا يَا أَخِي، فَالظِّلُّ هُوَ الْجُزْءُ السَّيِّءُ فِينَا، الْجُزْءُ الَّذِي نَرْفُضُ الِاعْتِرَافَ بِهِ، فَقَدْ تَعِبَتْ ظِلَالُنَا مِنَ الْكَذِبِ وَالرِّيَاءِ وَالنَّمِيمَةِ وَإِيذَاءِ بَعْضِنَا بَعْضًا فَانْفَصَلَ عَنَّا لِيَتَنَفَّسَ الْحُرِّيَّةَ وَيُشْفَى مِنَ الصَّدَمَاتِ".
"مَعَكِ حَقٌّ" قَالَ أُسَيْدٌ، "وَقَدْ آنَ الْأَوَانُ لِأَعْتَرِفَ لَكِ بِشَيْءٍ، مُنْذُ سَنَوَاتٍ عَانَتْ قَرْيَتُنَا مِنَ الْعَطَشِ وَالْجَفَافِ، وَذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا أَتَمَشَّى فِي الْوَادِي الْمُجَاوِرِ لِلْقَرْيَةِ وَجَدْتُ يَنْبُوعَ مَاءٍ عَذْبٍ، لَكِنَّنِي لَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا عَنْهُ وَأَبْقَيْتُهُ لِنَفْسِي وَوَضَعْتُ حَجَرًا كَبِيرًا فَوْقَ ذَلِكَ النَّبْعِ حَتَّى لَا يَجِدَهُ أَحَدٌ، لَقَدْ كُنْتُ أَنَانِيًّا جِدًّا، وَظِلِّي الْيَوْمَ يَفْضَحُنِي".

هُنَا بَدَأَ النَّاسُ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ وَأَخْطَائِهِمُ الْوَاحِدُ تِلْوَ الْآخَرِ، وَوَقَفَ أُسَيْدٌ وَسْطَ الْجُمُوعِ وَاعْتَرَفَ بِسِرِّ الْيُنْبُوعِ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ مَكَانِهِ، عِنْدَهَا بَدَأَتِ الظِّلَالُ تَعُودُ لِأَصْحَابِهَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَتَحَسَّنَتْ حَيَاةُ النَّاسِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ وَأَصْبَحُوا أَكْثَرَ صِدْقًا وَأَكْثَرَ تَعَاوُنًا، وَأَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ بِالتَّعَاوُنِ وَالْمَحَبَّةِ أَجْمَلَ.
The End